الشيخ محمد رشيد رضا

177

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهو قد قال إنه أخذهم بذنوبهم وأهلكهم بظلمهم وكفرهم - ولو كانت مشيئته لذلك متضمنة لرضاه عن فاعله وأمره إياه به خلافا لما قال الرسل لما عاقبهم عليه تصديقا للرسل . فقوله تعالى ( حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا ) بيان للبرهان الفعلي الواقع الدال على صدق الرسل في دعواهم وبطلان شبهات المشركين المكذبين لهم ، وأمثالهم من الجبرية الذين عطلوا شرائعهم ، وهم يزعمون كمال الايمان بها وبهم . وبعد هذا التذكير بهذا البرهان أمر اللّه رسوله ( ص ) ان يطالب المشركين بدليل علمي على زعمهم فقال قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا أي هل عندكم بما تقولون علم ما تعتمدون عليه وتحتجون به فتخرجوه لنا لنبحث معكم فيه ونعرضه على ما جئناكم به من الآيات العقلية والمحكية عن وقائع الأمم التي قبلكم ، وننصب بينهما الميزان القسط ليظهر الراجح من المرجوح ؟ والاستفهام هنا للتعجيز والتوبيخ ، ولذلك قفى عليه ببيان حقيقة حالهم فقال إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ أي لستم على شيء ما من العلم بل ما تتبعون في بقائكم على ما أتم عليه من عقيدة وقول في الدين وعمل به إلا الظن ، وهو في اللغة ما ليس من مدركات الحس ولا ضروريات العقل ، وقد يكون منه ما يؤخذ من نظريات يطمئن لها القلب ويرجحها العقل ، وهم لم يكونوا على هذا النوع منه وإن كان لا يكفي في اثبات أصلي الدين وهما عقائده وقواعد التشريع التي يجب الجزم بها ، بل كانوا يتبعون أدنى درجاته وأضعفها لا يعدونها ، وهي درجة الخرص أي الحزر والتخمين الذي لا يمكن أن يست عنده الحكم ، كخرص ما يأتي من النخيل أو الكرم من التمر والزبيب ، وكثيرا ما يطلق الخرص على لازمه الذي يندر ان يفارقه وهو الكذب ، وقد فسر به هنا بعد أن نفى عنهم أدنى ما يقال له علم ، وحصر ما هم عليه من الدين في أدنى مراتب الظن ، مع أن أعلاها لا يغني من الحق من شيء ، أثبت لذاته العلية في مقابلة ذلك الحجة العليا التي لا تعلوها حجة فقال * * * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ الحجة في اللغة الدلالة المبينة للمحجة أي المقصد المستقيم - كما قال الراغب - فهي من الحج الذي هو القصد . والمعنى قل أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين الذين بنوا قواعد دينهم على أساس الخرص الذي هو أضعف الظن ، بعد تعجيزك إياهم عن الاتيان بأدنى دليل أو قول يرتقي إلى أدنى درجة من العلم : ان لم يكن عندكم علم ما في أمر « تفسير الآن الحكيم » « 23 » « الجزء الثامن »